خالد جويلي
الأحد، 17 مايو 2009
خالد جويلي
عمرة الدار...أسطرة الواقع... امتزاج الأضداد
محمود رمضان الطهطاوي
مقاربة نقدية جمالية في قصة " وكأن الله أراد ذلك " للكاتبة هويدا صالح
سهيلة بورزق كاتبة جزائرية مقيمة بواشنطن
بدءا لست بالناقدة( الحشرية) التي ينالها تقاطع التفتيش والتنقيب والتحليل عن أدق التفاصيل في النصوص الأدبية وخاصة تلك التي توقعها أو يوقعها كاتب(ة) له من التراكمات الثقافية ما يلغي حدود الخيط الرفيع الذي يفصل النقد عن الإبداع .ومحاولتي الاستقرائية لفضاء قصة ” وكأن الله أراد ذلك ” للكاتبة الجميلة ” هويدا صالح ” ليس من باب التفصيل الأكاديمي لسلطة السرد بقدر ما هي معالجة جمالية في الشكل العام للحكي بين جمالية الإتقان التسلسلي للقصة والمتعة السردية التي عاشها القارئ عبر الخيال والتقاطع النصي .تكتب ” هويدا صالح ” مدخل القصة كالآتي :” ربما فاجأتها يده تماما حينما تلمس حلمات صدرها … ربما ارتعشت كمراهقة صغيرة فاجأتها يد ابن الجيران وهي تنثر لدجاجات أمها القمح فوق سطح الدار … اليد التي جعلت جسدها يرتعش الآن … هي ذات اليد التي شعرت طويلا بثقلها فوق رقبتها وصدرها ، وهو يتحسسها في ظلمة حجرتها ، ويبتسم حين تنكمش في أغطيتها ويقول لها كاد صدرك يجف فلا تبالغي في انكماشك … هل حقا كانت مهيأة له الآن ؟”بداية القصة كما تتابعون ذات أبعاد دلالية تتشكل لنا من أول جملة في النص ” ربما فاجأتها يده تماما حينما تلمس حلمات صدرها ” في فضاء هذه الجملة تضعنا الكاتبة أمام خيار اللا رجوع وكأنها تمسك بانتباهنا في قبضة يد من جمال وسمفونية فكيف تترك المفاجأة واللمس والحلمة والصدر وتنصرف ، صورة مشحونة بثقل اللذة والمتعة الفياضة المنبثقة من عطش الألوان الصاخبة في تواصلها الإيقاعي وكأنك أمام مشهد سحري تراكمت فيه الرغبات على اختلاف تناصه .وتواصل الكاتبة في سردها وصف مراهقية الرعشة التي تسربت إلى جسد البطلة من يد ابن الجيران وهي تنثر القمح …مشهد تصويري دقيق يتجلى في طريقة الربط بين سلوك الذكر وهو يفاجئ أنثى بمفردها فوق سطح الدار ثم تفاجئ ” هويدا ” القارئ بتصاعد الحبكة التبليغية إلى التأكيد على أن اليد الآثمة نفسها هي التي شعرت طويلا بثقلها ، ثم إن صورة الأنثى وهي على فراشها مع رجلها لم تكن أبدا سفيفة المعنى أو الذوق ، بل رمزت بذكاء إلى كل امرأة عربية في انكماشها وارتباكها وخوفها- ربما - من أمور تظن أنها لا تفهمها لكن الحقيقة مغايرة تماما فهي تدرك عوالمها النفسية المرضية- أحيانا- التي تداهمها كطلاسم غير مقروءة وغير مفهومة ” ثم هل كانت مهيأة له الآن ..؟” جملة اعتراضية تتحجج بها البطلة للخلاص من هالتها . مدخل سردي له سلطة متعددة النكهات فهو يوازي الوضوح الجلي الشديد الخصوصية ويمهّد لعقدة البنية القصصية غير التقليدية.تستمر ” هويدا ” في مداعبة عنصر التشويق فتكتب : “كانت تنحني فوق تمثالها لتضع الرتوش الأخيرة له .. تسحب بسن سكينة النحث نتوءات الصلصال ، وتصقل حول الفم صانعة غمازتين طيرتا عقلها حين رأتهما أول مرة في مدرج كلية التربية الفنية لشاب كان جالسا يرمقها بابتسامة وهي تلقي ألوانها على المربع الأبيض دون صقل … هل وحشية ألوانها هو ما لفت نظره إليها …أم نظرة الدهشة الدائمة في عيونها هي ما جعلته يقول لها في جرأة لم تتوقعها أحبك …….؟هذا ما نسميه فلاش باك أي العودة بالزّمن القصصي إلى الوراء لنعيش معادلة الخط التي تتحكم في عملية القراءة من دون القفز على الأحداثوالساردة هنا تفضح الماضي بتفاصيله السعيدة والحزينة معا ، ورغم أن شخصية الحبيب جاءت متخفية نوعا ما وغامضة إلا أن الهيكل العام للقصة لم يتأثر ولم يتوقف عن إبراز جمال الحبكة الزمنية للحكاية ، بل إن الغموض أحيانا يصنع تدفقا متوهجا في ميكانيزم السرد ، إن الكاتبة هنا تبرز رمزية ذكاء الفنان وهو يمزج الألوان المشتعلة بهاءا كي يحصل على الإيقاع النهائي لنوتات اللوحة الخالدة.إن اللغة المسيطرة على الفعل الكتابي منحوتة بإتقان في معادلة الوحدة العملية والمكانية والزمانية بل وتضع القارىء في حالة من التواصل شبيهة بتلك التي يعيشها مع الروايات وهذا ما يِؤكد خاصية “هويدا ” في تبليغ الرمز الذي يقول الممكن من الراحة النفسية، أوليست الكتابة راحة إنسانية بالغة التأثير في الآخرين ؟بالغة التأثير كما فعلت هذه القصة في بعض من يعتقد من الكتاب الرجال الذين لا يزالون يفكرون ويكتبون بعقلية ذكورية بحثة تتقزز لها الأنفس ، كيف لا والكاتبة اتهمت في شخصها وإبداعها علنا بعد نشر قصتها التي أحدثت ضجة أدبية مفبركة تدعو إلى إسقاط الكاتبات وإعلان الحرب على كلماتهن وحروفهن في القرن النووي .إن المقطع أعلام الدقيق التصوير الذي نتوقف عند جمال جملته العطشى : ” …تصقل حول الفم صانعة غمازتين طيرتا عقلها حين رأتهما أول مرة …” وطيرتا عقلي أنا أيضا …؟غمازتان …هكذا يبدأ الحب في شكله المعجزة وفي سلطة المتعة غير المنطوق بهالكن الكاتبة تختار النزول بقارئها من أعلى قمة التي اتسمت بالرعشة والرغبة والسؤال والدهشة إلى أعلى قمة أخرى في حزنها وحدادها حين تقول:” كل الأصدقاء عرفوا بحبه لها ، باركوا تلك العلاقة ، وكلهم لم يقدروا أن ينظروا في عيونها ويروا ألمها الدائم بعد موته ، تركوها لذاكرة لا تموت “.يموت الحبيب في الوقت الذي يعيش القارئ حالة من الشوق لمعرفة سر هذه الشخصية ، وتسمى هذه القفزة الفنية في النقد انقلاب الخط السردي لاعتبارات يراها الكاتب ذات فعالية لإخضاع القارئ إلى سلطة التفاصيل القادمة .تقول القاصة : ” حين كانت تعود لقريتها البعيدة كانت تبحث عنه فوق شواشي النخيل ، تبحث عن رائحته فوق الجدران الطمي ، تتلمس حوائط الدور التي مر في شوارعها يعجبون منها ولا يجرؤ أحدهم على تذكيرها بموته ، فهم جميعا كانوا شهودا على قصة عشقها له … أمه ترفض دوما أن تراها حين تذهب إلى رؤيتها ، تقول لمن ترسله لا أقدر على النظر في عينيها ورؤيته فيهما ………”مقطع يصور بحبكته السلسة مشهدا يلخص فيه أجوبة عميقة لكل ما يمكن أن يدور في ذهن القارئ من استفهامات … مات الحبيب فتحولت بعده إلى امرأة مسكونة بخياله الذي لا يفارقها أينما ذهبت .إن إلصاق شخصية الكاتب بتفاصيل النص يدفع بسلطة السرد إلى تقوية عنصر الإيهام بالواقع وهنا تعمل الكاتبة على وضع القارئ في قبضة جسد الحكاية إلى آخرها لتوهمه بقوته لكن الحقيقة أن هويدا مبارزة أدبية بامتياز فهي الجلاد والمجلود في الوقت نفسه.ثم تواصل الحكاية : ” عادت بظهرها إلى الوراء ، فاصطدمت به هو الواقف خلفها منذ دقائق .. لماذا فاجأتها يده ؟ أليس من حقه أن يدخل غرفة في منزله حرمت عليه طويلا ؟هاهي ” هويدا تعيدنا إلى حاضر البطلة وكأنها تقتلعنا من الماضي غصبا لأن المقاطع السابقة لم تكن مجهّزة إلى أكثر من ذلك أو ربما لأن حجم القصة لا يقبل إلا بهكذا فضاء.تعود بنا إلى غرفة البطلة وتمثالها حين فاجأتها يد زوجها ، فاقتربت منه تسأله ” منذ متى وأنت هنا ؟ سؤال الرعشة والرغبة وكأنها تسأل من جهة ثانية منذ متى وأنا هناك ؟و منذ متى وأنا بعيدة عنك ؟ هي الآثمة في حقه ورجولته تواصل الكاتبة سردها : ” لم تنتظر جوابه ، فقط اقتربت بوجهها منه ،وتشممت لأول مرة منذ سنوات أنفاسه . أغمضت عيونها ، وانتظرت أن يأخذ شفتيها المرتعشتين في فمه … ظل يتأملها ، وهي مغمضة العينين ومنتظرة ……… قال في صوت هادىء: كأني بشوفك لأول مرةوكأن الله أراد ذلك”يشهد هذا المقطع لحظات مهمة في القصة، حيث ينتصر الزوج على صبره الطويل ويتمكن بلمسة حنان وحب من يده أن يعيد قلبها وروحها إليه في رمشة عين ، ثم لماذا هذا التحوّل الفجائي من البطلة ؟ هل يمكن أن تكون ” هويدا” من مدرسة إقناع القارئ بواسطة اللغة فقط ؟ بل إنها تقنعه بتسلسل الأفعال أيضا ضمن البنية التسلسلية لوقائع الحكاية ، وهذا السّباق اللغوي يبين مدى تحكم القاصة في نظام الكلمة داخل السياق السردي .نواصل في المقطع التالي : ” ما الذي تغير ، لماذا اشتعلت تماما بعد لمسته ، هي ذات اللمسة التي طالما سببت لها قشعريرة في جسدها ، أنفاسه هي ذاتها التي هربت منها خمس عشرة سنة ، خمس عشرة سنة تهرب بوجهها خلف رقبته ولا تقدر على تشمم رائحته وأنفاسه ….”اللافت للنظر في قصة “وكأن الله أراد ذلك ” ، أن المستوى السردي داخل إشكالية النص يلعب دورا حداثيا في ترتيب قانون الجدلية والتفاعل بين عنصر التبليغ وبنية تعطيل المحاكاة لتحرير فعل السرد ، وهذه النمطية من الكتابة لا تخضع بالتالي إلى جزئية قانون السببية الذي يعالج فضاء النص بحرية بالغة.ما الذي تغير إذن ؟ هل هي الذات أم الروح أم المشاعر أم الانفلات من قبضة الماضي ووهم الحب الميت بقرار إلهي.تنفعل البطلة في لحظة تتداعى فيها مشاعرها الأنثوية وتتذكر وهي المتناسية رجلها الشرعي الذي يلازم حياتها بعقد مكتوب وموثق منذ خمس عشرة سنة .تكتب ” هويدا ” : ” وجهه احتل ذاكرتها منذ أن أخبرها الطبيب بموته ، طاردها في صحوها ونومها ، حين كان يثور الراقد في سريرها عليها لأنها تقضي معظم وقتها في مرسمها تصطاد ملامح رجل لم تسمح لها بالفرار يوما ، كانت تبكي له في الليل بعد أن يتمكن من جسدها ، تبكي له حتى يسمح لها أن تسكن مرسمها الذي يسكنها ، كان يعجب من ملامح وجه يتكرر في كل لوحاتها ، ولكنه لم يسأل يوما عنها ، كل لوحة ترسمها تحمل لمسة منه ….”أي قلب تحمل هذه الأنثى المتمردة على قانون حياتها وارتباطها برجل شرقي لا يعي فنها وروحها المرتعشة في مرسم كلّه ذكريات ؟ ، في مرسم يختفي فيه رجل آخر يسكن عقلها وخيالها وسمعها ونبضها وجسدها .لكن ” هويدا ” هنا وكأنها تحوّل المعادلة الرمزية إلى زوج البطلة فكيف لرجل مهما كانت قناعاته الإنسانية والمعرفية أن يتغاضى النظر عن نفور زوجته منه وقضاء معظم وقتها في نحث جسد لرجل غريب الملامح ؟ هل هي الثقة العمياء ؟ هل هي المحبة على الصبر ؟ هل هو الانتظار ؟ هل هو استغلال الوقت لإذابة جليد قلبها ؟هي المفارقة الأدبية إذن التي تميّز “هويدا” في احتمال خلق حالة نفسية مختلفة لشخصياتها ، وبالتالي فهي لا تخضع سردها لما يمكن أن يجزمه القارئ من أول جملة في الحكي الضمني داخل النص .إن الخطاب السردي في ” وكأن الله أراد ذلك ” أداة للتركيز على توصيل الأحداث كما تراها الكاتبة وليس كما هو متعارف عليها عرفيا وتقليديا ، وهنا تكمن خاصية التركيبة الخيالية لأحداث العرض القصصي ، فقد جاء ت ديناميكية البنية السردية مغايرة لمثلث البناء القصصي القديم وحتما كشف القارئ عن فنية البناء وهو يتنقل بحرية داخل خيال الكاتبة .دعوني أقفز على بعض المشاهد القصصية إلى المقطع الذي يقول : ” قالت لها صديقة يوما الموت يحرر الناس من قهر المحبة ، فلماذا يستعبدك أنت ؟ ”هل الموت يحرر من المحبة حقا ؟ رغم أنني لا أوافق هذه الفكرة في معناها الضمني إلا أن البعض منا يتخلص بها من عيوب في شكل المحبة التي قد لا تمارس سلطتها كما يجب وليس كما جاء على لسان الصديقة،إن هذه الجملة تشرح أكثر مدى عذاب البطلة بذكرى حبيبها وهي الزوجة والأم .إن القصة هي في النهاية رحلة داخل سيكولوجية التفاصيل ، تبحث في معايير النسيج للأحداث وتذيب في عالمها حمولة السرد الذي ينتقل بمنظار الحكي من حيّز إلى آخر .نتابع : ” هل حقا تحررت منه حين أكملت لأول مرّة تمثاله ، حين قبضت على ملامحه كاملة …”نعم لقد بات الآن على البطلة أن تتنفس عميقا وترى الأمور من حولها على حقيقتها وتستدرك هول الغموض الذي رمت زوجها فيه وأرغمته بطريقة ما على الصمت كارها ومتسائلا .هي البداية إذن عند نقطة الخلاص من قلق الوهم وغول التمثال ، هذا التمثال الآسر الذي اختصر روحها في صلصاله وتقاسيمه المنحوتة بيد امرأة عاشقة حد الموت ، لكن القلب يفضل العودة فورا إلى الأرض ، إلى الواقع ، إلي الزوج ، إلى الأولاد بعد رحلته الفضائية في عالم كله خيال ودرب من الوهم.نتابع : ” أمسكت بيده واتجهت إلى حجرة نومها …….”ماذا عساها ستمنحه في الفراش بعد هذا البرد المتوحش من المشاعر والجسد؟ستمنحه عسيلتها كما لم تفعل من قبل وستمارس معه كل الطرق الجنسية المؤدية إلى عمق عنفوان ذكورته وشهوته وشبقه .ونامت البطلة من دون وجه تمثال أخرس .لقد أسرني النص في حبكته القصصية الملتهبة وغمرني بحالة من الذهول أمام ثوابته السردية التي تكشف عن ثقافة الكاتبة غير المحدودة ضمن إطار التحايل على اللغة ، بل إن الكاتبة هنا تكتب وهي عارية ومتحررة من الجمل التي لا تقول المشهد بعنف .لقد استطاعت ” هويدا صالح “المرور بالقارئ إلى بوابة المتعة والسحر ومكنته بالتالي من ولوج خط الثوابت السردية المتواترة ، إنها علامة على سلطتها القاهرة التي أجبرتنا بها إغراءا وإيقاعا داخل نص أقوى من أي نقد وأعمق من أي جمال .قصة ” وكأن الله أراد ذلك ” سلطة سردية لا تشترط الحقيقة كمرجع استهلاكي ، بل تشترط ميكانيزم الدلالة الذي لا يخضع إلى إطار التبليغ .
نص القصةوكأن الله أراد ذلكهويدا صالحربما فاجأتها يده تماما حينما تلمس حلمات صدرها … ربما ارتعشت كمراهقة صغيرة فاجأتها يد ابن الجيران وهي تنثر لدجاجات أمها القمح فوق سطح الدار … اليد التي جعلت جسدها يرتعش الآن … هي ذات اليد التي شعرت طويلا بثقلها فوق رقبتها وصدرها ، وهو يتحسسها في ظلمة حجرتها ، ويبتسم حين تنكمش في أغطيتها ويقول لها كاد صدرك يجف فلا تبالغي في انكماشك … هل حقا كانت مهيأة له الآن ..؟ .. كانت تنحني فوق تمثالها لتضع الرتوش الأخيرة له .. تسحب بسن سكينة النحت نتوءات الصلصال ، وتصقل حول الفم صانعة غمازتين طيرتا عقلها حين رأتهما أول مرة في مدرج كلية التربية الفنية لشاب كان جالسا يرمقها بابتسامة وهي تلقي ألوانها علي المربع الأبيض دون صقل … هل وحشية ألوانها هو ما لفت نظره إليها …أم نظرة الدهشة الدائمة في عيونها هي ما جعلته يقول لها في جرأة لم تتوقعها أحبك ………….؟كل الأصدقاء عرفوا بحبه لها . باركوا تلك العلاقة ، وكلهم لم يقدروا أن ينظروا في عيونها ويروا ألمها الدائم بعد موته ، تركوها لذاكرة لا تموت .حين كانت تعود لقريتها البعيدة كانت تبحث عنه فوق شواشي النخيل ، تبحث عن رائحته فوق الجدران الطمي ، تتلمس حوائط الدور التي مر في شوارعها ، تسأل الناس عنه ، فيعجبون منها ولا يجرؤ أحدهم علي تذكيرها بموته ، فهم جميعا كانوا شهودا علي قصة عشقها له … أمه ترفض دوما أن تراها حين تذهب إلي رؤيتها ، تقول لمن ترسله لا أقدر علي النظر في عينيها ورؤيته فيهما ………………عادت بظهرها إلي الوراء ، فاصطدمت به هو الواقف خلفها منذ دقائق .. لماذا فاجأتها يده ؟ أليس من حقه أن يدخل غرفة في منزله حرمت عليه طويلا ؟التفتت إليه بجسدها ، اقتربت من وجهه تماما وقالت في همسـ منذ متي وأنت هنا ؟لم تنتظر جوابه ، فقط اقتربت بوجهها منه ، وتشممت لأول مرة منذ سنوات أنفاسه . أغمضت عيونها ، وانتظرت أن يأخذ شفتيها المرتعشتين في فمه … ظل يتأملها ، وهي مغمضة العينيين ومنتظرة ……….. قال في صوت هادئ :ـ كأني بشوفك لأول مرةوكأن الله أراد ذلكما الذي تغير ، لماذا اشتعلت تماما بعد لمسته ، هي ذات اللمسة التي طالما سببت لها قشعريرة في جسدها ، أنفاسه هي ذاتها التي هربت منها خمس عشرة سنة ، خمس عشرة سنة تهرب بوجهها خلف رقبته ولا تقدر علي تشمم رائحته وأنفاسه …وجهه احتل ذاكرتها منذ أن أخبرها الطبيب بموته ، طاردها في صحوها ونومها ، حين كان يثور الراقد في سريرها عليها لأنها تقضي معظم وقتها في مرسمها تصطاد ملامح رجل لم تسمح لها بالفرار يوما ، كانت تبكي له في الليل بعد أن يتمكن تماما من جسدها ، تبكي له حتى يسمح لها أن تسكن مرسمها الذي يسكنها ، كان يعجب من ملامح وجه يتكرر في كل لوحاتها ، ولكنه يوما لم يسأل يوما عنها ، كل لوحة ترسمها تحمل لمسة منه ، .في كل مرة تمسك بالفرشاة أو الصلصال ، تري وجهه في ذاكرتها الحية ، وتشكله كل مرة علي مربعات البياض ، دوما تتفنن في رسم لحظة رأته فيها ، تتفنن في رسم ابتسامة أو تعبير رأته ، حتى أطفالها الصغار ، حين ترسمهم تري وجهه .كل الأشياء تحمل رائحته . صوته تسمعه يأتيها في ليلها ، حين ينام صغارها ورجلها الذي ظلمته طويلا معها . تنصت في سكون وخشوع ، تستدعي صوته ، ضحكته ، تعليقاته ، ذكرياتها ما تزال حية وحاضرة ،قالت لها صديقة يوما الموت يحرر الناس من قهر المحبة ، فلماذا يستعبدك أنت ؟!!حاولت كثيرا أن تتحرر من ملامحه التي تسكنها … وفي كل مرة تفاجئها بطرق مختلفة .واقف مازال الساكن سريرها يتأملها وكأنه يراها لأول مرة …………….هل حقا تحررت منه حين أكملت لأول مرة تمثاله ، حين قبضت علي ملامحه كاملة ، فتحت عيونها وابتسمت ، أمسكت بقطعة القماش البيضاء التي غطت بها وجه تمثالها طوال عام كامل ، أوقف الرجل يدها في منتصف المسافة إلي التمثال ، صارت تمسك بطرفي قطعة القماش وهو يمسك بالطرفين الآخرين ، وقف يتأمل الملامح التي لا يعرفها ، يشعر أنه رآها قبلا ، ولكنه لم يستطع أن يتيقن منها ، همّ أن يسألها ، فوضعت أصابعها علي شفتيه في رقة لم يعهدها من قبل . أمسكت بيده واتجهت إلي حجرة نومها ، قررت أن تفعل له كل شيء أراده منها يوما . تشممت رائحته فلم تجدها منفرة كما شعرت دوما . شربت ريقه ، وتركت يده تدعك حلمات صدرها الذي كاد يجف . جسده لم يعد ثقيلا علي جسدها … كل شيء تغير الآن ، قررت أن تعوضه عن سنوات كثيرة عاملته بقسوة ، غابت معه في قبلة طويلة ، ونامت لأول مرة دون أن تسمع صوت رجل ظل واقفا هناك في ذاكرة لم تمت يوما
«عشق البنات».. ترثي حال المقهورات رواية تنبش في المقبرة المخصصة للنساء
الدكتور سيد ضيف الله
"عشق البنات" رواية صدرت في ديسمبر 2008 عن دار الهلال للكاتبة هويدا صالح، وهي تتكون من أربعين فصلاً، وكأننا في حالة حداد روائية تمتد لأربعين يومًا/فصلاً تروي الراوية في كل يوم/ فصل بكائية أو "عدوتة"، ومن المعروف في فن العديد الشعبي أن المُتوفي ما هو إلا تكأة لبكاء موتانا ومصيرنا، فكلٌ يبكي علي حاله. وكذلك تفعل الراوية مع شخصياتها النسائية علي مر الفصول، إذ تبدو تلك الشخصيات تكأة لرثاء الراوية لحالها بوصفها امرأة أو بوصفهن صورًا لكيان واحد وإن اختلفت أسماء الشخوص التي تندرج تحت مظلته. فالكل في واحد هو الراوية، وهذا الواحد موزّع علي كل الشخوص بالتساوي. أما التركة التي تتقاسمها شخوص الرواية فليست سوي مصيرٍ أبان الإهداء عن ملامحه؛ " إلي صباح محمد مرسي التي تنام في مقبرة بلا اسم.. فقط مخصصة للنساء". إن هويدا صالح جعلت من ممارستها فن "العديد" علي طريقة الرواية وسيلة لتغيير وظيفة "العديد" "التنفيسية" التقليدية، فجعلت من روايتها شاهد قبر يعرّف بكل امرأة لم تسكن المقبرة المخصصة للنساء بعد، لكنها تحوّلت هي نفسها إلي مقبرة تُغري بالنبش فيها. إن النبش فعل هدم ومجرد من الإنسانية، وهو نقيض البناء وهو في غاية الإنسانية، لكن عندما يكون الأمر متعلقًا بتحويل المرأة إلي مقبرة، فإن الدلالات تتحول لنقائضها، فيغدو نابشو القبور بهذا المعني أطول عمرًا وأجل قيمة من بنّائي تلك القبور.إن الفصل الأول بمثابة المخطط للرواية بأكملها، حيث تشير الراوية فيه إلي منهجها في كتابة الرواية، وهو أنها تريد أن تعيش حياتها في حيوات أخريات وأن تخلق كائنات تشكلها كما تريد متحررة من دور القديسة الذي يتلبسها ثقافيا رغم أنفها. إن هذه الكائنات الجديدة ما هي من وجهة نظري إلا كرات اللهب المدفونة داخلها، أي في جوفها، وما الجوف إلا التسمية البديلة للمقبرة المخصصة للنساء، "أقول لك : خذي بفكرة صديقك، اخلقي كائنات جديدة، امرحي في حيوات أخري. شكليها كما ينبغي، وكما تريدين"( ص9).ومن هنا، فإننا نجد الرواية بدءا من الفصل الثاني وحتي قرب نهايتها بقليل، أي تحديدًا حتي الفصل الثامن والثلاثين، عبارة عن عمليات استخراج لكرات اللهب عبر كائنات جديدة اتخذت أسماء مختلفة وهي (مها الحسيني- علياء- سلوي- غادة ماجدة عز الدين- عبير أنور- سمية- منال)، ويجدر بنا أن نلاحظ أن الضمير المستخدم في السرد في كل هذه الفصول هو ضمير الغائبة (هي)، ومع ذلك تستطيع الراوية أن تصف أحاسيس كائناتها الجديدة بدقة من يصف أحاسيسه الذاتية. وإلي هذا الحد ليست الرواية إلا رواية نسوية حداثية عادية ترثي حال النساء المقهورات اجتماعيا وجنسيا وثقافيا... إلخ، ومن ثم تثور حينًا علي الرجل القاهر لها أو تشفق عليه باعتباره ضحية الجهل والفقر والمرض، أو تنتقم منه حينًا بأن تحوّله إلي طفل يبكي بين فخذيها استرضاء لأنوثتها. لكن مع الفصل التاسع والثلاثين يظهر ضمير الأنا في الحكي لأول مرة علي لسان شخصية (نجوي) التي أهملتها الراوية حكائيا علي مر الرواية، فلم تخصص لها فصلًا، وإنما جاء ذكرها عابرًا كشخصية هامشية تشكو من تعمد سائق السيارة الاحتكاك بصدرها عندما يفتح لها الباب، وتتعمد أن تركب نفس السيارة كل يوم ولا تعدم تقديم مبررات لنفسها أو لسلوي، لكنه فعل تواطؤ واضح من شخصية نسوية تريد وتشكو في نفس الوقت. إن أهمية هذه الشخصية تكمن في أنها واعية بتجاور المتناقضات في داخلها دون إدانة لذلك التجاور، بل ربما في حالة دفاع عما يحققه ذلك التجاور للمتناقضات من سعادة مصدرها اتساق الذات مع نفسها. ونظرًا لهذه الأهمية فإن تلك الشخصية -بظهورها في الفصل 39 مستخدمة ضمير الأنا بهدف مساءلة الراوية عما فعلته علي مدي 38 فصلاً في الرواية، هادمة لها كل ما غزلته من نسيج روائي- تنقل الرواية إلي منطقة أخري وهي منطقة التمرد علي الرواية النسوية الحداثية التي تضع صورة للمرأة بهدف كسب تعاطف القارئ؛ لأنها صورة تدعو للأسي، تلك الصورة التي قدمتها "عشق البنات" علي مدي 38 فصلاً ونقضتها في فصلين بفضل ذلك الصوت المسائل لبنية الرواية الحداثية."لا تقدمي لي صورة تدعو للأسي، صورة تجعل القارئ لروايتك البائسة تلك يتعاطف معي. لا تقدمي نيابة عني مبررات لما يسمونه سقوطًا. أنا لست ساقطة، ولست امرأة عُذبت برجل ما قهر روحها، لا زوج لي يقهرني، ولا أخ أكبر مارس علي الضغط والحبس ولا أب تخلّي عن أمي أو عاملها بقسوة، انا بنت عادية خالص، تربيت في أسرة عادية ومستقرة". (ص162- ص163)يبدأ هذا الصوت في تفكيك الرواية عبر السخرية من شخصياتها وتصرفاتها الأخلاقية غير المبررة أنثويا. إن هذا الصوت الصارخ المتوتر هو الصوت المؤهل روائيا لأن يحمل أكثر كرات اللهب اشتعالا ويقذفها في وجه الثقافة، وهذه القذيفة هي قذيفة تغني الطفلة بما عزفته يد خالها من ألحان علي جسدها."بنت صغيرة عرفت يد خالها، التي لم تكن مدربة جيدًا كيف تلامسها"ص166/ "وحين فاجأتها دورتها الشهرية، لم يكن معهما أحد في المنزل، غسل(خالها) لها ما بين فخذيها.. صار لها كل الأشياء المريحة والمحرقة وصارت له متعته الوحيدة...لازم أخته سنوات الدراسة، رفض خلالها كل عروض الزواج التي نقلتها له" (ص-ص167-168)بعد هذا الدرس النقدي الذي قدمه صوت"الأنا- نجوي" المتمرد علي صورة المرأة في الرواية الحداثية نجدنا أمام راوية تساعد بطلاتها (غادة/ سلوي)علي الوصول للحظة الغامضة غير المكتملة بعد أن كانت تحرمهن منها باسم الفضيلة أو المحافظة علي "شال الأب ناصع البياض"، فقد حرمت منها ماري عندما جمعتها الصدفة بماري الإنجليزية في غرفة واحدة بفندق، وحرمت منها سلوي التي كانت تنتظر دورها مع بدورو ميرفت ومني في غرفة بدور وهن يدرسن ويحفظن نتائج الحملة الفرنسية!! "وتركت(سلوي) لأصابع غادة التي تبدومدربة، تداعب حلماتها. ضحكت المرأتان مرة أخري، وقالت غادة : لنغلق باب الغرفة"(ص170)علي الرغم من وصول سلوي وغادة للحظة الغامضة واكتمالها بعيدًا عن كل صور الرجل خلف باب مغلق، إلا أن تمرد "عشق البنات" من وجهة نظري ليس تمردًا كاملاً يمكّنها من الخروج عن التصورات الإدراكية السائدة عن المرأة في الثقافة العربية التي تتمرد عليها، لأنها مازالت أسيرة تلك التصورات التي تدرك المرأة باعتبارها جسدًا فحسب، لتبقي نقطة التمرد كامنة فيمن يتعامل مع هذا الجسد وبأي كيفية، ونقطة التمرد هذه لا يمكنها أن تنتج تصورات إدراكية مختلفة عن المرأة تصلح بديلاً لما هو سائد، فضلاً عن أن تنتج تلك التصورات الإدراكية غير المنجزة بعد خصوصيتها علي مستوي تقنيات السرد
الخميس، 7 مايو 2009
فانتازيا تزخر بعوالم الجن وأرواح الأولياء وكراماتهم
محمد سمير عبد السلام
تقوم رواية " عمرة الدار " للأديبة هويدا صالح – هيئة قصور الثقافة 2007 – على رصد الساردة للحظة تحول الشخصية ، إلى النموذج الروحي المتخيل ، و الكامن في اللاوعي . هذا النموذج ينتشر ، و يتكرر في النص كمكون إبداعي لنشوء الشخصية في العالم ، و التاريخ ، و النص معا .إن عوالم الجن ، و أرواح الأولياء و كراماتهم ، و حتمية تعاقب الظواهر في السحر تندمج في فانتازيا النص ، و تصير سياقا افتراضيا تتحقق فيه قوة الفرد المتمردة على واقعه الأول دون انفصال بين العالمين ، فساردة هويدا صالح لا تتمرد على الموروث الروحي الكامن في اللاوعي الجمعي للشخصيات ، و إنما تعيد قراءته وفقا لإمكاناته الإبداعية الخفية ؛ ففيه قوة الطاقة النصية حاضرة ضمن الحدث الواقعي المستعاد ، و كأن الطيف قد تجرد من حتميات الإحلال في نطاقه الثقافي ، و انطلق في النص ، ليحل في الشخصيات ، و يساعدها على اكتمال التحول باتجاه الذات الممتدة المتجاوزة للأنا الواقعي .تكتشف الساردة وعي الشخصيات عن طريق تنوع التبئير الداخلي ، لتعاين بكارة أحلامهم بقوة المعرفة الروحية ، و تجسدها الأدائي ، و كأنها توحدت بالطيف الفانتازي المؤول لقصص الموروث ، و المتمرد على حتميتها ، و آليتها . إنها تقاوم وعي الشخص بذاته الثقافية المحدودة لتدخله في حالة النشوة ، و الغياب الروحي . هذا الغياب المجرد يجمع دلالات الفرح بالجسد كمدلول أنثوي ، و قداسة الأم ، و أحلام الخصوبة ، و مخاوف القوى الروحية الشريرة ، و معايشة الأولياء ، أو إكمال مسيرتهم . و لكن من خلال استعادة قوة الدافع الأول لولوج المتخيل المتجاوز للشخصي كبديل عن تقديس الشخص المتعين / التاريخي ، فطيفه النصي يحرر الأخيلة ، و الأساطير ، و الحكايات المتواترة عنه .يرى كارل يونج أن حدس الخلود ينشأ من الذات الدائرية الممتدة في الزمان ، و المكان ، و مصدرها الخافية المتجاوزة للآنية ، و المقابلة للواعية ، و من احتوائها للأخيرة يتشكل الكائن ( راجع – كارل يونج – رمزية التحول – ترجمة نهاد خياطة ) .تبحث شخصيات هويدا صالح عن هذه القوة المتخيلة الممتدة من خلال حلولها الآني المتجدد المتجاوز للماضي من خلال آثاره .قد تدل الأرواح غير المحددة التي تحل في الأشياء ، و العناصر الكونية ، و الأماكن و الشخصيات على تقديس خفي للذات الأخرى التي لم تحقق اكتمالها في الشخصية ، و من ثم يغلب عليها الصراخ ، و الخوف ، و نسج أخيلة القوة المدمرة الكامنة في الذات الأخرى الغريبة ، و هنا يتمسك الفرد بوجوده التاريخي ، لكنه يطمح أن يملك قوة الذات التي لا يعرفها . إنه يتمرد على تكوينه و وضعه الثقافي في المجتمع من خلال هذه الغرابة التي تتمتع بقوة حتمية لا تقبل الجدل ؛ فالجدة تخاطب عمرة الدار ، و أولادها في الفرن ، بصورة يقينية تنقل القوة المتخيلة إلى شخصية الجدة نفسها كسر لا يمكن اختراق رمزيته ، و تحل روح رجل قوي اسمه الشيخ محمد في شخصية تحية ؛ إذ يتجلى فيها الانفصام ، و تنازع الوعي ، و اللاوعي في الصراخ ، و الغضب ، لكن لا وعي تحية يتجه أيضا لامتلاك قوة المعرفة التي تنتقل إليها من النموذج الذي يسحق جانب التهميش الأحادي فيها ، و هو الشيخ محمد الذي يوحي إليها ببعض النبوءات مثل إخبارها لعنتر زوجها بأن ما في بطن صباح زوجة عمر أنثى ، و تصدق الساردة نبوءة الشيخ لتؤكد قوة تحية الأخرى ، ففي داخل الساردة رغبة في إنجاز التحول .لقد تحولت حتمية القوة الغريبة إلى نوع من التحرر ، و قبول الذات الروحية الممتدة بتناقضاتها النصية ، و التاريخية ، و الثقافية . يبدو هذا واضحا في شخصية عبد الرحيم ، فقد حكت فاطمة أن الجنية دخلته حين ضرب قطة سوداء بقدمه ، فكان ذاهلا أغلب الوقت ، و لا يعلم أحد أين يذهب . و لكننا نراه عقب موت الحاج صالح يتحدث بصوت الأخير ، و يرى نورا أسفل قاعة الشيخ على المقدسة ، و تأتي الساردة برمز الخضر الذي يؤكد كارل يونج على تجاوزه للزمنية في اللاوعي الجمعي ؛ لتؤكد الساردة تفوق النفس المتخيلة في دائريتها ، و تناوبها في وعي و لا وعي الشخصيات بصورة محررة من آليات الماضي ، فكل من تحية و الجدة ، و عبد الرحيم قد تطهر من أزمة الصراع مع القوة الغريبة المدمرة ، باتجاه التحقق المتخيل ، فجسد الجدة أكثر نضارة عقب الموت ، و صالح يحل في عبد الرحيم ، و تحية تملك معرفة سرية .يرى جيمس فريزر أن روح الملك المقدسة قد تهاجر في ورثته ، و عموما فهي تتجسد في الآخر ، فكان البعض يحتشدون حول المحتضر للإمساك بروحه ، أو يسعون لامتلاك بعض لوازمه مثل خصلة شعر ، أو سن تمساح ( راجع – جيمس فريزر – The Golden Bough ) .هكذا يلتبس صوت عبد الرحيم ، بأبيه الحامل لقداسة الشيخ على ، و غيره من الأصوات التي اكتسبت الامتداد الملكي الطيفي المحرر من الحدود الواقعية . إننا لم نعرف عبد الرحيم إلا من خلال عمليات الحلول الأقرب إلى اللعب ، و الاستبدال و التحول باتجاه قوة غير شخصية تمحو وجوده الشخصي قبل أن يبدأ .و في مسار شخصية النضر تختلط دلالات التحول ، بقضايا النسوية ، في وعي الساردة ؛ لتؤكد جانب التأمل في المرأة ، و تكسبها قداسة المتخيل كمدلول مضاد للصراعات المولدة عن وضعها الهامشي ، لقد أتي الطيف للنضر البعيد عن هذه العوالم المتخيلة ، في صوت قوي يقول له : إلى متى ؟ فتحول سياقه الواقعي إلى أضواء سماوية تختلط بأصوات ذكر ، و ملائكة بأجنحة خضراء ، ثم يحل طيف الشيخ على مشكلته مع فايزة عقب هجره لها و زواجه من زبيدة ، عن طريق تجسد الشيخ في كيس نقود يرسله صالح لفايزة ، عقب هذا التجسد لم تقع عين النضر على زبيدة .لقد انقلب تاريخ النضر عن طريق فاعلية الطيف النصي / الشيخ ، أو الصوت . هذه الفاعلية التي صارت تاريخية أدائية ، صارت سياقا كاملا ، و ليست لحظة تحول مفاجئة . و يعكس هذا اقتران التفوق الكامل للطيف المحرر بتجاوز الأزمة النسائية في النص . النضر هنا لم يكن شخصا ، و إنما جزءا من الطاقة التأملية الأنثوية الكونية غير المحددة ، و قد استبدلت تاريخه الذكري برمته .و تبدو طاقة التأمل كصورة ممتدة في الوعي النسائي في شخصية الصغيرة سلوى التي تسللت عقب نوم الجدة إلى قاعة الشيخ على ، فرأت الحجرة يملؤها ضوء أبيض ، و يتمايل الذاكرون فيها .و ظلت الصورة تلح عليها ، لا كحقيقة واقعية ، أو روحية حتمية ، لكنها مصدر للتحول يتجاوز فيه الضوء حدود الحجرة ، أو تاريخ سلوى الإنساني ، و إدراكها للعالم ، في اتجاه ذاتها المتخيلة .إن لحظة التحول المتكررة في عمرة الدار لهويدا صالح هي لحظة نشوء الشخصية في النص و التاريخ ، و هي لحظة غيابها أيضا في الحلم النوراني ، و الكوني ، و الجسدي المناهض لتجسدها المحدود .
فتحي عبد الله
إن تنوع السرد في هذه اللحظة الراهنة في مصر يعكس حدة الصراع وشموله بين فئات وشرائح المجتمع، ويعكس كذلك درجات الوعي لدي الساردين ومدي انحيازهم سواء كان هذا الانحياز للحقيقة الاجتماعية ممثلة في أنماط المعيشة والعلاقات الحاكمة لسلوك الجماعة سواء بين الأفراد أو الطبقات أو بين المجتمع كله والإدارة السياسية।أما إذا كان الانحياز للأنماط الوهمية والمتخيلة أو المرجو تحقيقها في المجتمع لتبرير الأداءات السياسية المتوحشة في الداخل أو للتوافق مع أنماط الرأسمالية العالمية في طورها الأخير كي تسهل للشركات العابرة للقومية دورها في خلق منظومة قيم جديدة تتناقض مع أنماط الانتاج القديمة، بكل ما تحمل من موروثات روحية ومعرفية।وهذان النمطان من السرد يسيطران علي الكتابة الروائية لأسباب كثيرة، منها أن الرواية كجنس ونمط أداء قد أصبحت بفعل المتغيرات الاجتماعية التي حدثت في العالم أهم أجناس الكتابة وأكثرها فاعلية بما تملك من غواية أولاً، وثانياً لقدرتها في السيطرة علي قطاعات كبيرة من جميع الطبقات فهي فن استحواذي بامتياز وسريع الاستهلاك ومن هنا سعت كل القوي الاجتماعية بوعي أو بدون وعي لاستخدامها في الصراع القائم بما يتناسب مع منظومتها الروحية والمعرفية لتحقيق الوجود والسيطرة.ومن أهم تمثيلات النمط الأول في مصر رواية «أحمر خفيف» للروائي «وحيد الطويلة» إذ إن المكان لا يمكن أن تقطع بواقعيته ولا يمكن أن يكون متخيلاً كاملاً فهو أقرب إلي المجتمعات البدائية ذات السلوك الانفعالي والذي تحركه الغرائز الأساسية، ومع ذلك يخضع لآليات الصراع التي تسيطر علي الجماعات الحديثة، فهو واد علي شكل مثلث أنشأه الخواجه الفرنسي الذي تخلف عن الحملة.كما أن الزمن المختار للسرد يمثل ذروة اللحظات الحرجة في سلوك الجماعة البشرية، وهي لحظة الانتقال من الحياة إلي الموت، وهي لحظة كاشفة لسلوك وانفعالات الجماعة دون اقنعة أو تبريرات، وهي تدفع الشخوص جميعهم إلي الفعل المناسب أو العضوي، ومن هنا تكون جميع الشخصيات أكثر اقتراباً من حقيقتها الروائية ويبدو سلوكها وكأنه فطري ومرتبط بالروح الكبري التي تسيطر علي جميع الكائنات.ولأن هذه الجماعة تعيش في واد أسطوري فإن قوي الطبيعة مازالت فاعلة ومشاركة في الحراك الاجتماعي مثل حركة الريح وارتباطها بالموت وانفعال الحيوان والنبات بالأحداث ومازالت علاقات القرابة هي الأساس في الانفعال والسلوك، وهي المحور المحرك للصراع، خاصة في السيطرة علي الجماعة، ومازالت كل تيمات المجتمع البدائي هي الحاكمة مثل القوة والشرف والعدالة والشجاعة وإن بدرجات متفاوتة من شخصية إلي أخري فالبطل «محروس» تبدو فيه هذه الصفات متجانسة ومتكاملة بما يتناسب مع سلوك الجماعة ودرجة تحضرها فهو شجاع دون إسراف أو ظلم وهو عادل وكريم مع كل الجماعة دون النظر إلي درجة القرابة ويعلي من قيمة الشرف أيا كانت الخسائر حتي لو كانت مشاعره الخاصة، أما بقية الشخوص فتبدو مستغرقة في حالة واحادة دون تناسب اجتماعي مما يجعلها نمطاً مخالفاً، فـ «ناصر» مفرط في استخدام القوة والشجاعة، مما حقق له نوعاً من السيطرة والحضور الطاغي إلا أن الجماعة لم تقبلة فكان مصيره الهلاك والفناء.وكذلك «نشأت» صاحب الروح الصافية والخالصة، الضعيف، العاشق، ابن المرأة العاشقة، الذي مارس أعمالاً هامشية، لم يمتلك القوة والشجاعة لمواجهة المجتمع أو أمه. ولم يكن أمامه إلا الهروب، والانسحاب من الصراع وإن ظل روحاً تعاود الرجوع والمشاركة في الأحداث.أما «غزلان- أم نشأت- وعزت، فقد أخلصا لرغبات الجسد دون النظر إلي أي قيم تحكم الجماعة فكانا تمثيلاً للنزعات المادية الخالصة ولذلك فإن أدوارهما في الصراع كانت هامشية وغير مؤثرة وإن اظهرت تكامل الجماعة واختلاف أفرادها مما يحقق نسبية الوجود الاجتماعي.أما «أبو الليل» أخو محروس المريض بالجزام واللص، فقد انفصل عن الجماعة ولم يمارس العمل طوال حياته، والعلاقة الحاكمة مميته وبين المجتمع هي التنافر، والنفس، والكراهية، ولهذا فهو ينتقم مم يعافونه ويقض مضاجعهم، وهو لا يريد شيئاً لنفسه، فقد ترك كل شيء لأخوته، ولا أحد يعرف أين هو، ولا أين ينام، فهو يمث المنبوذين اجتماعياً في الجماعة، وهو دائم السخرية والتهكم مما يحدث ولذا فهو لا يشارك في الصراع، ولا أمل له، فهو لم يختبر مشاعره أو انفعالاته وإن ظل وفياً للأرواح العالية أو للمنبوذين أمثاله سواء كان هذا النبذ بسبب معرض كالجزام، أو لحالة عرقية مثل «فرج» ابن العبد- أو لضعف ووضاعة الأصول الاجتماعية مثل «عزيزة العمشة» إن هذا المجتمع الهجين الذي يمزج بين ما هو بدائي وبين ما هو حديث لا يمكن أن تخف حدة الصراع به ولا أن تنتقل السلطة فيه بشكل بسيط، لابد من طقوس وأولها العنف أي القتل والتدمير وهذا ما حدث للبطل رمز السلطة «محروس»، ثم استخدام «الوصية» كأحد أشكال الأداء الروحي في نقل الرسالة الأيديولوجية مثلما حدث في الفصل (3) «السرليك ياعناني» فهناك روح رسولية حيث الرحلة والهبوط والصعود ومصاعب الطريق والتقلب بين الرجاء والخوف والتماثل بين البشر- ثم ظهور النور وتحميل الأمانة «العهد ياسيدنا». ولكي تكتمل الأسطورة يبدو الوادي وكأنه مسحور كما يحدث في الحكايات الشعبية أو متشابه مع الحديقة التي وصفها القرآن في سورة «الكهف» منذ صره «جيلنتي» الفرنساوي بالكافور والجازوارين ودق أشجار الليمون والجوافة والريحان في جوفة وجعله واطئا ليسحب المياه، فتبدو زراعته ملعلعة وسط المنطقة.ولهذا جاءت اللغة عنيفة وقوية وخالية من المصاحبات الأدائية الموروثة وإن اقتربت من لغة الشعر أي الوصول إلي جوهرالفعل الانساني لا استخدام المجازات، وإن حدث ذلك فاللغة في الرواية لها مستويات متعددة ومتداخلة وتخضع جميعها لرؤية الروائي ودورها في تنامي السرد، فهي روحية وخفيفة عندما تتعلق الحكاية بـ «نشأت وفرج» وحسية ولذائذية وقريبة من الاستخدام اليومي إذا جاء السرد بـ «عزت وغزلان»، إشارية وحادة وقاطعة وتعتمد علي إيماءات الجماعة إذا كان البطل «محروس» هو الفاعل.واعتمد الروائي «وحيد الطويلة» في بناء هذه الرواية علي وحدة «الحكاية» وتوالدها وهي إحدي سمات السرد الشعبي أو الخيال الجمعي كما تحقق في «ألف ليلة وليلة».فكل حكاية مكتملة في ذاتها وتؤدي إلي الحكاية التي تليها ويجمع كل هذه الحكايات إطار عام، أي رؤية الروائي التي توجه السرد خاصة في انتاج المعني والدلالة. وكل حكاية ترتبط بأحداث خاصة وتدور حول إحدي الشخصيات الروائية، ومن هنا فقد تحولت جميع الشخصيات إلي أبطال في الكتابة وإن ظلت حكاية «محروس» وبطولته هي الخيط الرفيع الذي يربط هذه الحكايات ببعضها.وهذه التقنية تحتاج أول ما تحتاج إلي الخيال الفطري، النفسي، والمتوحش في الوقت نفسه، وتحتاج إلي خبرة إنسانية رفيعة ودقيقة في التعرف علي الشخوص ودوافعها الباطنية مهما كان سطحها الخارجي، وتحتاج كذلك إلي وعي اجتماعي حاد يدرك تطور مصائر الجماعة بكل تناقضاتها وتنوعها الإنساني. وللوصول إلي كل هذا لابد من استخدام لغة عضوية تعتمد بدرجة أو بأخري علي طقوسية الأداء وعنفه لتحقيق الوجودات المتنوعة في شكل احتفالي كرنفالي، لا ينفي أحداً ولا يدمر المعني، وإنما يرسخه عبر أكثر من قناة أو طريقة، وهذه الحالة التركيبية في انتاج الدلالة النهائية للعمل، تعكس روح الروائي المتجاوزة لفعل الكتابة نفسه وكأنها الحياة، وكل هذه الرؤية لا يحققها إلا الخيال، والخيال فقط.إن هذا النمط من الكتابة يعيد الاعتبار للرواية كجنس أدبي في مصر والعالم العربي، إذ أصبحت أكثر مجانية ومشاعية وصارت مجرد أداة لأداء أدوار أيديولوجية متنوعة دون كتابة حقيقية ولا رؤية متكاملة وإنما صارت نوعاً من التدريب علي الخروجات الدينية والسياسية التي تخدم جماعة بعينها .
الخميس، 5 مارس 2009
تقديم
"كما يليق برجل قصير" وجوه هائمة وأحلام مقموعة
وجوه هائمة وأحلام مقموعة في مجموعة قصصية مصرية
يتخذ الكاتب المقهى مكانا أثيرا للكتابة يتيح له التقاط ملامح الناس المتنوعة
جمال القصاص
وشخوص الطويلة ليست نمطية، فلا تعتمد على نقطة بداية أو نهاية، أو تضاريس اجتماعية وتاريخية محددة وصارمة، بل من فرط تشظيها في المكان تبدو وكأنها ليست مهمومة بقضايا كبرى، بل ربما ليست مهمومة بقضايا من أي نوع، لكنها مع ذلك مسكونة بشرطها الانساني البسيط، أو بمعنى آخر مأزقها، تحاول الانفلات منه، أو التأقلم معه بوعي بدائي عفوي، أو تتركه ـ أحياناً ـ للمصادفة البحتة التي قد تنقلب الى النقيض والضد. إنها شخوص تريد أن تعيش لحظتها، بصرف النظر عن أي ألم محتمل في الغد.
وعلى ذلك تطالعنا القصة الأولى في المجموعة «مصابيح بعيدة» بهواجس غلام، يتأمل ظله الذي يقصر ويطول على فترات متباعدة من النهار، ويتمثل هذا في موازاة مع عشقه للنخلة، وتفوح روائح القرية بطقوسها وعاداتها في خطوط السرد المنداح على سننه. وتومض في القصة علاقة اعتباطية، سواء بين الغلام ومفردات واقعه، أو بينه وبين الشخوص الأخرى. وهذه العلاقة سمة لافتة على نحو خاص في القصص التي تتكىء على هاجس القرية، حيث يظل هناك حاجز ما بين الرغبة وتحققها، ولا تملك الذات إزاء هذا سوى طاقة الحلم، تنثر فيه فوضاها وأشواقها، ولو على سبيل التخيل. وهو ما يظهر في قصة «مائة غمزة بالعين اليسرى» حيث البطل ذو الساق العرجاء ينفس عن كبته، بتخيل مواعيد غرامية مع ثلة من فتيات ونساء، لكن رغبته تخذله حين يصطدم بالواقع، وبعمته العانس التي ترمز بدورها الى اليباس والعقم.. وفي قصة «تصويرة» مثلاً، يخذل الواقع رغبة حجازي وكاميرته الطينية، وحلمه في التقاط صور حقيقية لتلاميذ المدرسة ونسوة القرية. وفي قصة «مدار الجدي» تتعلق حياة «نعمات» وأشواقها لعودة فتاها بأهداب رغبة لذلك.. «تظل تنتظره في البلكونة، تمسك بيدها بقايا الوردة، تباغتها وهي تعد.. سيأتي.. لن يأتي». ومن خلال شظايا المونولوج المبثوث بذكاء في نسيج السرد تطالعنا صورة الفتى وهو يستعيد أيضاً بخيالاته صورة رغبة، تحاصره من كل الجهات وتكاد تخنقه، فيناجي نفسه في إهاب ضمير الأنا - المخاطب.. «صور عديدة تفاجئك على الحائط لرجال بأعمار متقاربة، ملامح متشابهة، إطارات مذهبة، بدون علامات سوداء، منزلقة على الإطار، وستكتشف أن هناك إطاراً فارغاً، وهي تخرج عليك مدهونة بالروب الأحمر مثل هند رستم في أفلام زمان».
ان الرغبة هنا ليست مجرد رمز على الفقد، أو الحرمان، أو الجوع، أو الكبت فحسب، وإنما هي بمثابة بحث عن وجود هارب، وزمن آخر، لا تطاله شوائب الذبول والانكسار، زمن يكمن في الرغبة ويتماهى معها، ففي داخل الرغبة نفسها تكمن امكانيات تحققه وتجسده بل وصيرورته، لذلك هي رغبة مفعمة بالحيوية والحركة، كما انها ليست مستحيلة، أو قرينة العدمية، بل تظل امكانية مفتوحة بعفوية على فوضى العالم والذات معاً، وأحياناً تتماهى مع الموت، ليس لأنه نقيض الحياة فحسب، وإنما لأنه ينطوي على سرها الأكبر، لذلك تتحول مواساة البطل الذي يهذي بالحمى ويشارف على الموت في قصة «كما يليق برجل قصير» التي وسمت المجموعة، تتحول الى رغبة في تحقق الموت نفسه، للفوز بمفتاح الصندوق، وكأن الرجل الميت أودع فيه كل أسرار الحياة.. ان الموت هنا ليس مجرد فعل عبثي، حتى وهو يعكس الوجه الآخر السلبي النقيض لجوهر الرغبة نفسها، انه نوع من الحلول، للخروج من المأزق، وامكانية، ربما تتحقق فيها رغبة الآخرين وحلمهم.
ويعتمد الطويلة في هذه القصة على شرائح مشهدية، تتعاقب على فعل الموت الذي يمثل زاوية رأسية، ورأس سهم لمنحنى درامي صاعد ومتوتر، مخفوق بمسحة طقسية، يتضافر فيها إيقاعا الداخل والخارج، حيث تختلط في سكرة الموت هواجس طفولة البطل وشبابه، يسردها بضمير الغائب الحاضر، وهو يتأمل أصدقاءه وأخواته، وهم يتحلقون حوله، متلهفين لوصيته الأخيرة. ويجدد الصراع في نهاية القصة نفسه بشكل سريالي، منقلباً الى الضد، ويتركنا الطويلة أمام عدة احتمالات لنهاية واحدة، أو بمعنى آخر لبداية لم تنته بعد، حيث.. «لا أحد يسأل عن المفتاح، لا أحد يأخذ عزاءه، تركوا النعش عند باب المقبرة، وهرولوا عائدين. في منتصف المسافة انكبوا على وجوههم، وعندما انتبهوا وجدوه يصعد المئذنة كعادته.. هذه المرة كان مرتدياً طاقية طويلة».
وفي القصص التي تراوح هاجس المدينة يخف إيقاع السرد ويتحلل كثيراً من كونه مجرد بنية، أو وعاء تتبلور فيه أبعاد وخيوط الصراع بشقيها المرئي والمتخيل. وربما يفسر ذلك أن الأنا الساردة لا تكترث كثيراً هنا بوعيها الضمني المسبق، والتي تلعب فيه الاستعارة دوراً أساسياً خاصة عند نكش صور الماضي وذكريات الطفولة، بينما في هذا الهاجس تواجه الأنا وعياً مفارقاً وصادماً ومراوغاً، يولد للتو، بأوجه وأقنعة متعددة، ولذلك تتحول الرغبة التي تشكل عصب الصراع في المجموعة من فعل إشباع غريزي محدد، الى حزمة من شظايا تومض في مرآة مهشمة، تكشف التناقضات المضمرة في طوايا الشخوص والأشياء والعناصر، وتبرز كذلك غواية الأسئلة، والمفارقات والرموز التهكمية، بدلالاتها السياسية والاجتماعية والعاطفية، وفي الوقت نفسه، ينتفي الصراع كفكرة وإطار، ويصبح هم القص لملمة الملامح والوجوه المتشظية، واخراجها من إطارها المهمش المهمل، لتكتسب حيوية خاصة، بل تبدو أكثر واقعية في نسيج القص نفسه.. ففي قصة «وردة الحب الصافي» تستعيد الأنا الساردة «الكاتب» وجوه أصدقائها، وفي حوار متقطع ساخر، تتجسد الرغبة في الحب كشيء هزلي، خاصة حين تتحول الحبيبة الهاربة الى أشباح حلم عصي عن الولادة، أو حلم مقموع بأوهام الذات نفسها. حينئذ لا تملك الأنا الساردة سوى تنويع شرائح مسروداتها بين الأصدقاء الثلاثة، إمعاناً في السخرية من الذات والحبيبة والواقع معاً، لتنتهي القصة بهذه المفارقة الكوميدية.. «حين انتهينا من جلستنا، أخرجنا محافظنا لدفع الحساب شركة كما اتفقنا. كان كل منا يداري صورتها التي تكاد تبرز من محفظته، وعيوننا تتطلع الى السلم الذي يهبط الى المقهى الواطىء» في إيماءة لافتة الى ابتذال الحب نفسه حين يصير شيئاً متدنياً تحكمه المنافع الذاتية الضيقة.
وفي قصص «يقف كزاوية شبه منفرجة» و«زجاج معشق» و«بن خفيف للسعادة» و«أطلس جديد لافريقيا» تطالعنا وجوه أخرى للرغبة، وتتوزع هذه الوجوه نفسياً وزمانياً بين دالين شديدي الحساسية. في الدال الأول تبدو الرغبة وكأنها فعل تحريض لاستثارة أشواق منسية وأحلام مقموعة، مثلما يحدث في قصة «زجاج معشق» وفي قصة «أطلس جديد لافريقيا» حيث المشهد يتحول كله الى فعل لاستثارة الرغبة، ويتقاطع مونولوج البطل مع هواجسه وخبراته العاطفية السابقة، ويحرضه هذا الفعل على استعارة نتف من وجوه أصدقائه وأشيائه الخاصة الحميمة، تتضافر في سياق السرد، وتضفي عليه مسحة من الفانتازيا الآسيانة.. أما في قصتي «يقف في زاوية شبه منفرجة» و«بن خفيف للسعادة» فيتحول دال الرغبة الى فعل تطهير. ففي القصة الأولى يتجسد مأزق البطل في كيفية الانسحاب من الحب نفسه، وصوره الشكلية التي تلاحقه هنا وهناك، وبعد ان تبخر الحب نفسه من نطاق الامكانية الى نطاق الاستحالة، لايملك البطل في نهاية القصة سوى طرح هذا السؤال الاعتباطي الساذج.. «هل من الممكن لبنت في سنة ثالثة كلية ان يزداد طولها قليلا».. وفي القصة الثانية نلاحظ انه على الرغم من ان الرغبة تملك طيلة الوقت امكانيات تحققها بين البطلين المحبين المخطوبين - كما تشي القصة - إلا انها تتحول في النهاية الى فعل استحالة وطاقة تدمير، حين يعلي طرف إرادته ونفوذه على حساب الآخر، وحتى لا ينفلت زمام العربة، وتصبح عربة طائشة تصطدم بما حولها بلا وعي، وربما تودي بحياة قائدها، لا يجد البطل خلاصاً سوى الانسحاب من الرغبة، وباسم الحب نفسه.
يبقى ملمح لافت في تكنيك الطويلة القصصي وهو مقدرته الفائقة على نفي الزمنية، كوعاء نمطي ومرجع تاريخي واجتماعي ثابت وجامد، يسيج حركة الشخوص ويحد من حركتها وفعاليتها الدرامية، مبتكراً منحنى زمانياً خاصاً، يتخلق من نسيج القص نفسه، وتنويعات السرد واللغة، واللعب بوعي القارىء من خلال منظور فني متشظٍ، لا يبحث عن جوهر الأشياء في وحدتها، وإنما فيما يتبقى منها من نتف وملامح وشظايا وربما يؤكد ذلك اتخاذ الطويلة المقهى كمكان أثير للكتابة يتيح فسحة أوسع وأعمق لتأمل التقاط هذه الملامح المتنوعة، أو على الأقل استثارة ظلالها في وعيه المسكون بهاجسي القرية والمدينة معاً.
فانتازيا الجوع والشبع ممزوجة بروح السامر الشعبي
حواديت القرية وألاعيب اللصوص والمطاريد في رواية مصرية
وحيد الطويلة في «ألعاب الهوى» يمزج فانتازيا الجوع والشبع بروح السامر الشعبي
جمال القصاص
يلعب وحيد الطويلة في روايته الأولى «ألعاب الهوى» الصادرة حديثاً عن مركز مريت بالقاهرة، على أزمنة الحكي الشفاهية والتي تتمثل في حواديت وطرائف ونوادر القرية المصرية। ويشكل من دلالاتها الفارغة والاعتباطية والساذجة مناورة سردية شيقة، يردفها بخيال جامح، مسكون بمجاز الحكاية، وروح ساردة نزقة، تشيع جواً من المرح والسخرية في تخوم النص، ولغة هجين تمتح من الفصحى والعامية معاً، وتمزج بينهما في تساوق سلس ومحكم، يكثف من حيوية الحوار ويضفي عليه مسحة من الشفافية البصرية।
بداية الرواية يطالعنا واقع هزلي لقرية نائية، جهمة، ضاربة في الحلكة والفقر، وشخوص معظمهم من اللصوص والمطاريد والساقطين من غربال الزمن والحياة، لا يحركهم سوى نوازع الجشع والطمع، مفتقدين أدنى إحساس بالنبالة أو الكرم. وفي المقابل يبدو بطل الرواية «الشيخ حامد» ذا نزعة إبيقورية من نوع خاص، فخياله لا يذهب ـ غالباً ـ أبعد من حدود بطنه، وكأن الطعام متعته، بل مرثيته الوحيدة في الحياة.
حامد، خطيب مسجد القرية، المتعلم في الأزهر لا يكره سوى شيئين: الجوع والموت، لذلك يسخر منهما في أعماق نفسه، ويطاردهما حتى في الحلم، وهو يرى أن العالم خلق في لحظة جوع، وأيضاً سيؤول إلى الفناء في لحظة جوع، ثم إن البشر ـ في رأيه ـ لا يعرفون الشبع، بل هم دائماً مفطورون على الجوع. ويضرب الأمثلة على ذلك بشكل طريف ـ أحياناً ـ في خطبه بالمسجد. وعلى نحو خاص في نكاته ومزاحه مع صديقه الشيخ اسماعيل، الكفيف مساعده في المسجد. وعلى العكس من ذلك يبدو «النادي» أخوه الأصغر عادلاً قوياً، صاحب سطوة ومهيبة خاصة، يعمل للصالح العام.. يموت النادي فجأة، في لحظة مصيرية من حياة القرية، وبعد أن اكتمل على يديه مشروع المصنع الجديد، الذي سيقي أهلها الغلابة ويلات العوز والجوع.
وبموت النادي ينكسر الحلم، وينفرط عقد الزعامة الوهمية في القرية، في مكائد وفتن وحروب صغيرة، تُسرق خلالها حجة القرية من حوزة الشيخ حامد، ويغتصب «وفازيت حار» ابن أخيه، «الفنجرية» بائعة الفاكهة الشريدة التي أوتها القرية. وتلمح الرواية إلى علاقة ما غامضة بينها وبين النادي، حيث كان يحوطها بهيبته، ويحميها من غوائل الزمن والبشر. وكما يشير النص.. «جميلة من الغجر، قال النادي وصمت، بدا كما لو كان الوحيد الذي يعرف خبيئتها، ولم يبح لأحد، استطالت جذورها في البرية، وتفتحت مواهبها يوماً بعد آخر، انتقلت من العسل الأسود والليمون إلى الأفراح والمآتم، وهات ياعديد».
في هذا الجو تتسع سطوة اللصوص والمطاريد، بخاصة في لعبة الانتخابات التي يزج فيها الشيخ حامد عنوة، وبعد أن يحال إلى التقاعد تاركاً مهمته في المسجد لواعظ آخر.. وتسود حالة من الاضطراب والتشرذم القرية فلا أحد يستطيع أن يملأ فراغ النادي أو يعوض وجوده الذي أضحى بمثابة ايدلوجيا شعبية، وهو ما يرشح شخصية النادي لأن تتماثل رمزياً مع شخصية جمال عبد الناصر.
ويثير هذا الالتباس الرمزي العابر في طوايا الرواية سؤالاً مهماً حول علاقة النموذج بالجماعة، وكيف يتحول كلاهما إلى قناع للآخر، يضمن، أو على الأقل يؤمن حدود وجوده، فإذا انكسر القناع ترتبك الجماعة، حتى تبحث عن قناع آخر. بيد أن هذا الاستيهام السياسي لا يتوقف فحسب عند شخصية «النادي» فثمة استيهامات سياسية أخرى، يمكننا أن نجد تجسدات لها في الوقائع السالفة الذكر.. وغيرها. وهي استيهامات استطاع النص أن يضمرها ويموهها في حركته صعوداً وهبوطاً، وإن ظل بعضها ناتئاً ومقحماً لاصطياد مفارقة خارجية غير مشبعة بروح النص نفسه، أو نابعة منه. وربما يجسد ذلك هذه الممازحة بين «وفا» وعمه حامد بطل الرواية.. «عليّ النعمة من نعمة ربي يابا حامد، انت أحسن من جمال عبد الناصر.. إنت بتتريق عليّ يابن خويا؟! عبد الناصر هو اللي بدع الاشتراكية، وانت اللي طبقتها، والله لو عرف يمسك البلد زي ما انت ما مسكت العيلة لحل مشاكله، لكنه ساب كلابها على ديابها».
وعلى ذلك، ففي مناورة السرد يفضح الطويلة الحكاية، يعري منطقها وتواطؤها ويرميها على قارعة الطريق كمحض واقعة، شائعة ومبتذلة، وكأنه هنا يذكرنا بحس السامر الشعبي، الذي يمزج الراوي فيه ايقاع السرد، بلطشاته المطولة والخاطفة والمتقاطعة بمتعة الفرجة، ليفض في النهاية مكنون الحدوتة، أو الأمثولة، أو المروية، ويتحول الجمهور ـ من ثم ـ إلى شهود عيان، ليس فقط تحت تأثير لحظة الاستماع، بل بما يضفيه على الحدوتة نفسها من طلاءات تشارف روح الحكمة أحياناً، والفانتازيا والقداسة أحياناً أخرى.
وبرغم إن الراوي أو «الكاتب» نفسه متورط ضمنياً في النص، إلا إنه يحتفظ دائماً بمساحة ما محايدة، تتيح له حرية الترقب، والوصل والقطع لخطوط الزمان والمكان، سواء في النسيج الداخلي للنص، أو في محيطه الخارجي والذي يراوح ما بين حقبتي الستينيات والسبعينيات في مصر. وهو راوٍ حذر، شديد الحيلة والتيقظ، يشبه ـ بلغة الطويلة نفسه ـ الذئب الذي يغمض جفنيه مدعياً النعاس، ليهب الفريسة نوعاً من الأمان الزائف.
يتحرك هذا الراوي في النص على مستويين أحدهما علوي، والآخر سفلي، فهو لا يختلط بحوارات الشخوص، ولا يتدخل في حيواتهم ومصائرهم، بل يعلو على ذلك في لحظات. وفي لحظات أخرى يبدو وكأنه يحرك كل الخيوط، لكن بشكل شفيف غير مرئي. وقد أتاح هذا للنص القدرة على أن يتحول بتلقائية من الداخل إلى الخارج والعكس في الوقت نفسه، كما ساهم في خلق نوع من الذبذبة الدرامية في حركة ضمائر السرد وهي تنتقل بين الأنا، والنحن، والهم، وصيغ النفي والاثبات، والاستهلال والوصف، وسط سطوة الفعل المضارع ظاهرياً، والذي يشي بكثافة زمانية ما، لها امتداد تاريخي قائم ومتحقق بالفعل، يتجاوز الحدود أو الحرية المتوهمة للنص.
يخرج الشيخ حامد من عباءة الميثولوجيا الدينية بشكلها التقليدي، لكنه يحولها في الحلم إلى طقس شعبي، مخفوق بروح مُفَارَقةٍ حريفةٍ، وتوترات منولوج داخلي متقطع، تختلط فيه الرؤى الحلمية والمشاعر الكابوسية، ومحفوف في الوقت نفسه بنبرة سخرية من الموت والذات والآخر، تظللها نوازع وهواجس مرحة، تغيم فيها الحدود بين الجد والهزل، بين الواقعي والمتخيل.. فالشيخ حامد التقي الورع الذي لم يشتهِ في حياته سوى لذة الطعام، ها هو يوشك أن يخسر آخرته بسبب حسنة وحيدة، لا يعرف كيف يعوضها، أو حتى يستدينها من أحد أقاربه أو معارفه، ولا ينسيه جو الحلم المفعم بالمفارقات تاريخه الشخصي ولذته الأسيرة، لذلك يخاطب نفسه.. «حسنة بمليم يا حامد، حسنة واحدة وتصل للبريمو، وتأكل الديك الرومي وحدك، والنساء مثل لهطة القشطة حولك، فلتبحث عن أبيك رغم أنك كنت تخاف منه خوف العمى».. وحين يصحو من حلمه يصرخ في وجه زوجته.. «هما ولاد الكلب دول يا نميرة كانت عندهم حسنات من أصله».
ومن ثم تفكك طاقة الحلم الترسيمات والأدغال التقليدية للشخوص، وتمنحهم خيالاً مؤثراً، ولحظات خاصة من النشوة والسمو النفسي على واقعهم المادي، فصدمة الخبرة الدينية لدى الشيخ حامد تحولها طاقة الحلم إلى فعل تطهير، يصطدم في مرآته بحيواته الهاربة ونواقصه الدفينة. وبآليات هذه الطاقة نفسها يتحول مشهد موت زوجته «نميرة» الانسانة البسيطة العادية، ولحظة دفنها في آخر الرواية إلى محفة روحية، تحلِّق في أجوائها وكأنها احدى القديسات. وفي تلك اللحظة نفسها تحرك طاقة الحلم آلية التذكر، فيخايل الشيخ حامد في ظلال موت «نميرة» طيف أمه «عروسه» وكأن الموت طاقة أخرى للتفتح على الحياة.. تجسد الرواية هذا المشهد في نجوى حلمية على هذا النحو.. «قالت نميرة إنها رأت كوكباً في قلب السماء ليلة وفاة عروسه راح يدور ويدور حول البرية، يغيب ثم يظهر ثانية، واختفى قبل طلوع الفجر».
إن الجوع يبرز في الرواية كـ«تيمة» أساسية وفارقة، بل محرضة أحياناً على التمرد ضد المفهوم الفارغ والهزلي للحكاية أو الحدوتة، بل ضد مفهوم الشبع نفسه، والحلم المتواتر فيه. فالشبع كما تصوره الرواية ـ حالة مؤقتة طارئة سيعقبها جوع أشد، بخاصة في واقع يعيش معظم ناسه على حافة الرغيف ـ لكن هل يمكن أن يندرج هذا النص ضمن ما يمكن أن أسميه «كتابة الجوع» وفي ظل فانتازيا الجوع والشبع بايقاعاتها اللدنة، الساخرة والمباغتة التي تلون سياقات السرد، ومسارات الحوار، وتشكل ـ إلى حد كبير ـ قسمات وملامح الشخوص، وصراعاتهم مع بعضهم بعضاً، أو مع واقعهم الذي أدمنوا عطبه وحلكته.. أتصور أن الرواية تقع في معظم فصولها على قدر من تخوم هذه الكتابة.. فعلى الرغم من أنها ركزت على الشبع كمظهر فيزيقي نقيض للجوع، إلا أنها استطاعت أن تحقق من خلال أمثولات التشابه في بنية المشاهد والرؤى والحالات صيرورة روائية مسكونة بشهوة أعلى مما هو أرضي أو حسي في البشر والناس والأشياء.
